في ظلّ استمرار الاعتداءات الإسرائيلية في الجنوب، التي تتزامن مع مخاوف من قيام تل أبيب بعملية عسكرية مرتبطة بمصالح رئيس الوزراء بنيامين نتنياهو الانتخابية، تعيش الساحة المحلية على وقع مسارين خطيرين: الأول هو الضغوط الأميركية المتسارعة، أما الثاني فهو الاشتباك الداخلي الذي ترتفع وتيرته يومًا بعد آخر بين «حزب الله» والسلطة الرسمية، في وقت يغيب فيه أفق الوصول إلى أي تهدئة، ولو مرحلية.
في هذا السياق، تشير مصادر سياسية متابعة، عبر «النشرة»، إلى أنّ كثيرين يعتبرون أنّ الخطر الأكبر يكمن في التهديدات الإسرائيلية، التي ليس من الواضح المدى الذي قد تصل إليه قبل موعد انتخابات الكنيست. لكنها ترى أنّ ذلك لا يجب أن يلغي القلق من الضغوط المتزايدة من جانب الولايات المتحدة، التي تتبنّى، بشكل شبه كامل، وجهة نظر تل أبيب، بل ترى أنّ المطلوب منها في الوقت الراهن ليس تقديم أي تنازلات.
وتلفت هذه المصادر إلى أنّ الاعتقاد السائد خلال الأسابيع الماضية كان أنّ واشنطن لا تريد الضغط على نتنياهو قبل موعد الاستحقاق الانتخابي المصيري، نظرًا إلى إدراكها أنّه لن يكون في وارد تقديم أي تنازل جوهري. إلا أنّ تصريحات السفير الأميركي في بيروت، ميشال عيسى، خلال الأيام الأخيرة، أوحت بأنّ المشكلة تكمن في مكان آخر، بعدما بات يربط أي تحرّك، أولًا، بدعوة «حزب الله» إلى تسليم سلاحه، وهو ما لا يمكن أن يحصل في ظلّ الظروف الراهنة، نظرًا إلى أنّ الجميع يدرك أنّ المسألة أكثر تعقيدًا.
في هذا الإطار، كان «اتفاق الإطار» العنوان الأبرز الذي تسعى الولايات المتحدة إلى التركيز عليه، انطلاقًا من أنّه يحقّق هدف فصل الملف اللبناني عن الملف الإيراني، خصوصًا أنّه يساعد في زيادة الضغوط على «حزب الله». إلا أنّها لم تنجح، على الأقل حتى الآن، في تأمين ظروف نجاح هذا الاتفاق الذي يتمسّك به الجانب اللبناني الرسمي، في حين تسعى إسرائيل إلى التنصّل منه، بعدما كانت تظنّ أنّه سيكون مقدّمة نحو صدام بين الحزب والمؤسسة العسكرية.
هنا، تشدّد المصادر السياسية المتابعة على أنّ واشنطن لن تتخلّى عن هذا الاتفاق في الوقت الراهن، بسبب غياب البديل العملي له، نظرًا إلى أنّها لا تزال تفضّل عدم خروج الأمور عن السيطرة في هذه الساحة. لكنها، في الوقت نفسه، لا تريد العودة إلى مسار يربطها بالمفاوضات مع إيران، بل تسعى إلى تعزيز حضورها المسيطر من خلال رفضها التمديد لقوات الطوارئ الدولية العاملة في الجنوب «اليونيفيل»، على اعتبار أنّ ذلك يساعدها في تحقيق هذا الهدف، لا سيما أنّها تتشارك مع تل أبيب النظرة نفسها إلى دور هذه القوات.
ومن وجهة نظر هذه المصادر، تبقى العقدة الأبرز في هذا المجال متمثّلة في الأوضاع الداخلية، إذ إنّ الانقسام الداخلي لا يسمح بتقوية الموقف اللبناني، خصوصًا أنّ ذلك يترافق مع غياب أدوار اللاعبين الدوليين والإقليميين الآخرين المؤثرين. وهذا يعني أنّ بيروت تبقى الحلقة الأضعف في هذا المسار.
بل إنّ هذا الانقسام قد يقود إلى ما هو أخطر، في ظلّ التصعيد المتواصل في الخطابات السياسية، الذي يتجاهل معضلة أساسية تتمثّل في عدم وجود أي جهة محلية تملك حلًا عمليًا للواقع القائم في الجنوب.
في المحصلة، تشدّد المصادر نفسها على أنّ ما تقدّم يؤكد أنّ الساحة اللبنانية ستكون، على الأرجح، في المستقبل القريب أمام مجموعة من التطورات التي لا تملك الجهات المحلية قدرة كبيرة على التأثير فيها، خصوصًا في ظلّ غياب الحدّ الأدنى من التوافق على رؤية موحّدة.























































